الرئيسية / المكتبة / بر الوالدين بعد الزواج / الإسراف والتبذير والرياء في الأعراس

الإسراف والتبذير والرياء في الأعراس

ثانياً:

عدم الإسراف في العرس: والمبالغة في النفقات بلا مبرر، لئلا تذهب البركة، وتحل الديون والهموم، ويصبح بيت الزوجية فيما بعد جحيماً لا يطاق .

إن مما ابتليت به أمة محمد r في آخر أيامها، عادات وتقاليد بالية ومحدثة، مفادها إدعاء الغنى، والمقدرة على الإنفاق في أثناء العرس، ولكن لو تفكّر الإنسان في هذه المصائب التي جلبها لنفسه من جراء هذا الإدعاء لما أولم في عرسه إلاّ بشاة واحدة، إقامة للسنة، لا حباً في الذبح، ومن هذه المظاهر التي تعود بالويل والثبور على فاعلها:

1. التكبر: وهي خصلة يمقتها الله ورسوله، والمتكبر لا يحبه الله تعالى، ولا رسوله، ولا الناس، قالr قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ”. ([1])

 وقال أيضاً:” بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ([2]).

2. ادعاء الغنى الكاذب: أمّا إذا كان يدعي الغنى وهو كاذب، فسيقع فريسة للديون، وربما يكون مصيره السجن، وهو كما قال r الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ”([3]).

3. الاختيال والفخر: والتعالي على الناس، قال تعالى:

 ) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ*وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ( 18لقمان

4- الإسراف في الطعام والشراب طلباً للسمعة:

فالهدف من وليمة العرس هو إشهار النكاح، وإكرام الأهل والأصدقاء الذين يحضرون للاحتفال بالعروسين، وتهنئتهما، ويتحقق هذا الهدف بوليمة متواضعة تتناسب مع مقدرة العريس المالية، وحجم المدعوين.

وقد كانت نفقات هذه الوليمة تغطى بالكامل، وربما الجزء الأكبر من نفقات العرس، بالصدقة المغطاة، بما يسمى ” النقوط ” بحيث كان الناس في الماضي يأتون فيأكلون من وليمة العرس، ويدفعون أضعاف ما يأكلون، مساهمة منهم في مساعدة العريس. أمّا اليوم فإنهم يأكلون ولا يدفعون شيئاً، وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إنهم يتهكمون، ويسخرون!

 وقد أقام بعض الأغنياء وليمة كبيرة، كلفته أموالاً طائلة، فأخذ المدعوون يأكلون، ويتغامزون فيما بينهم على أهل العروسين، فما فائدة هذا الإسراف على من ليسوا أهلاً لهذا الإكرام،فأين هي السمعة الحسنة التي كان ينشدها ذلك الثري المتكارم ؟

وإذا كان النبي r قد قال لعبد الرحمن بن عوف:” أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ “)رواه التسعة فهذا من باب شكر النعمة إذ أن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- كان غنياً لدرجة أن ورثته اقتسموا ميراثه من الذهب بالفؤوس.

 فما بال أحدنا يكون دخله الشهري بضعة دنانير، ثم إذا تزوج ابنه يذبح ويذبح، حتى تثقله الديون، والدين إنما هو ( هم بالليل وذل بالنهار ) (انظر: كشف الخفاء1/366) ولنتدبر قوله تعالى:

)وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا*إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (26الاسراء

 وإذا كان قصدنا من الوليمة تطبيق السنة، فلتكن على أصولها، فالوليمة تكون بعد الدخول وليس قبله، ويدعى إليها من يستحق الدعوة، ولا ننسى إخواننا من الأصناف المعروفة، بدلاً من أن نلقى بأكوام الطعام في حاويات النفايات، بينما الفقراء يتضورون جوعاً؛ فتكون هذه الوليمة شر الولائم، ألم يقل r:

“شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُr “.البخاري0

 وإذا كانت العروس تشترط فوق هذا: غرفة نوم، وغرفة سفرة، وغرفة ضيوف، إضافة إلى الأجهزة الكهربائية… الخ، لتقتدي بأغنياء البلدة، أو بما تراه في التلفاز، فكم ستكون مصيبة هذا الزوج بهذا الزواج الذي يقولون عنه بأنه سعادة؟!

أليست هذه التكاليف هي مدعاة للشباب الآخرين بأن يكفوا عن الزواج الذي يترتب عليه انتعاش الأمة وتكاثرها وستر شبابها قبل شاباتها؟ والابتعاد عن الإسراف الذي يؤدي بالتالي إلى تعطيل سنة مهمة يترتب عليها حفظ إحدى الكليات الخمس، وهي:

حفظ النسل، والحفاظ على سلامة المجتمع من الفاحشة، أو لم يقل r:

 “النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ”(رواه ابن ماجه في كتاب النكاح برقم(1846)

عود على بدء

وإذا كان هدفنا من تقدمتنا هذه هو البحث عن بر الوالدين والسعادة بعد الزواج فكيف ستكون سعادة صاحب هذا الدخل المحدود إذا كانت ديونة فوق الحدود، وكيف إذا ابتلي بزوجة تحب التجديد، فإن مصيره أن يكبل بالحديد، ويرمى في السجن إلى أمد بعيد.

ولقد استوقفني شاب، وقال لي: كل ما تكلفته من ديون فوق طاقتي غير مهم رغم إنه سبعة آلاف دينار، ولكن ابنة عمي في ليلة الزفاف قالت لي: إن في طريقي شخص آخر غيرك، فماذا أفعل ؟ قلت له: هل زوجتك ملتزمة بالشرع ؟ هل صليت صلاة الاستخارة ؟ وهل عملت استشارة ؟ فكان جوابه عن كل الأسئلة بالنفي، قلت له:

 لو أنك عندما كنت في غمرة الفرحة أخذت رأي الدين، لما انقلبت عليك الفرحة حزناً وأنيناً !

وما أجمل أن يتزوج الشاب العاقل بفتاة عاقلة، ثم يتفق مع شباب المسجد على أن يزفوه إلى عروسه بعد صلاة المغرب من المسجد إلى بيت الزوجية الجديد بنشيد:

طلــع البـدر عليـنا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينـا ما دعـــا لله داع

وبعد إيصاله بقليل يعودون أدراجهم إلى المسجد لصلاة العشاء دون تكاليف، أو إيذاء للآخرين، أو غناء فاحش أو متفحش، ودون فتح جبهات بالعيارات النارية، أو غيرها من الرعونات.وفي اليوم التالي يولم هذا العريس بشاة ويدعو شباب المسجد.

 وقد قمنا بإقامة مثل هذا العرس المتواضع لشاب يتيم، فكانت التكلفة: صفراً، و كانت السعادة تغمرنا جميعاً؛ ذلك لأن البركة والسعادة لا تقاس بالمتر، ولا توزن بالكيلو أيها الأحباب (راجع إن شئت: كتابي: خمس موبقات في علم الاقتصاد. فصل:البركة مفهوم لا يدخل تحت الحاسوب)

 


([1]) رواه أبو داود في كتاب اللباس برقم(4090) وابن ماجه في الزهد برقم (4147)،

([2]) رواه البخاري في كتاب اللباس برقم(5789)، ومسلم في كتاب البيوع برقم(2088).

([3])رواه البخاري في كتاب النكاح برقم(5219)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة برقم(2130).

عن qudah

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حقا بر الوالدين كما تدين تدان قصة

مشاركة ...