الرئيسية / المكتبة / من الفكر والقلب / الموت والتوبة / شروط التوبة والتائب حبيب الرحمن

شروط التوبة والتائب حبيب الرحمن

التــــوبة

عرفنا فيما سبق أن الموت حق، ولا بد من الرحيل عن هذه الحياة الدنيا، لنستقر في الدار الآخرة التي جعلها الله دار القرار:)إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ((29غافر، وما دام الأمر كذلك، فلا بد من العمل والاستعداد لمرحلة ما بعد الموت، ويكون ذلك باتجاهين :

الأول: إنقاص السيئات، والثاني: زيادة الحسنات؛ لأن من زادت سيئاته على حسناته أفلس يوم القيامة، كمن بنى بيتاً بألف، واستدان عليه ألوفاً.

فقد روى الإمام مسلم بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:” أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”.(مسلم2581).

والتوبة هي التي تنقص السيئات، بل وتهدمها من أساسها، وربما تستبدلها بالحسنات، وذلك بحسب صدق التوبة، والاستقامة بعدها.

ومن شروط التوبة: الإقلاع عن المعصية. و الندم على ما فات و العزم على أن لا يعود إليها.

فإن عاد إلى المعصية مرة أخرى، عاد للتوبة من جديد، وإذا كانت المعصية تتعلق بحقوق العباد، فلا بد من إعادة الحقوق إلى أصحابها؛ سواءً أكان هذا الحق مادياً أو معنوياً.

وإن الله ليفرح بتوبة العبد،كما مر معنا :” ومهما كانت الذنوب، فإن مغفرة الله أوسع منها، فقد أخرج الإمام مسلم بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّt أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ r قَالَ :

كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ: لَا فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْء

ٍ فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأرضيين فَإِلَى آيتهما كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ”.(مسلم:2581.).

وأمام هذا الكرم الإلهي لا يهلك إلا من أراد الهلاك، وأبى أن يدخل الجنة بتعنته، ومكابرته، وعدم إذعانه لأوامر الله تعالى، وهدي نبيهr الذي قال” كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى “.(البخاري:7280)

ومجال التوبة مفتوح في أي وقت وحين، ولا يحتاج العبد إلى واسطة، بل متى توجهت إلى الله بقلب خالص ونية صادقة إلى الله وعاهدته على التوبة يتقبلها الله فوراً إلا في حالتين:عند الاحتضار ووصول الروح إلى الحلقوم، والغرغرة بها،,وعند طلوع الشمس من مغربها. قال تعالى:

)إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيماً (17النساء

 ويقول r :  “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا “)مسلم /الذكر:2759، وقال أيضاً: ” إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ “الترمذي /الدعوات:3537.

ولهذا لا بد للإنسان العاقل أن يبادر إلى التوبة سريعاً، إذ أن الموت أقرب إلى الإنسان من جفن العين، ولا يقتصر على سنٍّ معينة، فكم جد عجوز صلى صلاة الجنازة على حفيده، وكم من شاة سبقت أمها إلى المسلخ.

يحكى بأن رجلاً من أهل الصلاح-ولعله مالك بن دينار-وعد الناس أن يروي لهم قصة توبته، فلما اجتمع الناس، أقبل عليهم بوجهه ثم قال: لولا أنى وعدتكم لما حدثتكم:

 عندما كنت شاباً تزوجت امرأة أعجبتني فولدت لي بنتاً ملكت علي شغاف قلبي، وبعد مدة توفيت زوجتي، ثم تبعتها ابنتها، فهمت على وجهي، أشرب الخمر، وأسير في البرية كالمجنون.(وهذا ما يحدث للذي لا يعرف معنى الصلاة، ولا حكمة المصيبة وفضل الصبر عليها).

 وذات ليلة رأيت في منامي أن القيامة قد قامت، وإذا بوحش يطاردني، فهربت منه، فوجدت في طريقي شيخاً هرماً فاستنجدت به، فقال لي: لا أستطيع، ولكن توجه إلى هذه الجهة، فتوجهت إلى حيث أرشدني، وإذا بابنتي تقف في قصر جميل، ولكن بيني وبينها واد سحيق، وكل من فيه يقولون: أفٍ لسوف، فنادت علي ابنتي: إلي يا أبي إلي يا أبي، فوقفت مقابلها،

وقلت لها: أي بنيتي ماذا حصل للدنيا؟

فقالت: لقد قامت القيامة يا أبي،

 فقلت لها: وما هذا الوحش الذي يطاردني؟

قالت:هذه ذنوبك يا أبي سمنتها حتى أصبحت وحشاً كاسراً يطاردك،

 فقلت: فمن هذا الشيخ الهرم؟

قالت: هذه أعمالك الصالحة أهملتها حتى أضعفتها، فلم تقدر على حمايتك،

 قلت: فأين أنت؟

قالت:في قصور الجنة، قلت: فما هذا الوادي السحيق؟ قالت: هذا وادي التسويف، يأتي الإنسان ليتوب، فتقول له نفسه:

 لا زلت شاباً، سوف تتوب مستقبلاً، ويأتي ليهتدي فيقول له شيطانه، تمهل سوف تتوب، ولكن بعد قليل، تمتع الآن ثم تتوب عن كل شيء جملة واحدة،

 فقلت لها: خسرناك في الدنيا يا بنيتي،

فقالت: يا أبي: خسرناك في الدنيا، فإياك أن نخسرك في الآخرة، يا أبت تب إلى الله، فتبت إلى الله أمامها، فلما أصبحت سألت العلماء عن أفضل طريقة لملء عمري بالخير، فعلمت أنها العلم، والعمل، والدعوة، والدعاء، والصبر على ذلك كله ابتغاء وجه الله تعالى، فسرت على هذا حتى أصبحت إماماً لكم.

فيا أيها الناس توبوا إلى الله، فقال الحاضرون:

تبنا إلى الله، ثم قال: يا أيها الناس توبوا إلى الله،

 فقال الحاضرون: تبنا إلى الله، وهكذا حتى أصبح الصباح، فسمي المسجد الذي حصلت فيه هذه الحادثة مسجد التوابين([1]).

فإياكم أخوتي في الله من التسويف، فالشيطان لا يزال يسوف، والنفس تمهّل حتى يأت الموت، ويتمنى عند ذلك التوبة، و لات حين مناص، فيصدق فيه قول الله تعالى:

 )حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ()37فاطر

وهكذا يبقى يقول: رب ارجعون…رب ارجعون إلى يوم القيامة، كما أخبر الله عز وجل عنهم بقوله: )وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ()37فاطر فيجيبهم الله تعالى بقوله:

) أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ( .

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ومن المبادرين بالتوبة قبل فوات الأوان، إنه نعم المولى ونعم النصير.

 


([1]) هذا المسجد موجود بالكوفة بالعراق، وهناك مسجد أخر يسمى بهذا الاسم في حمص بسوريا.

عن qudah

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: