الرئيسية / المكتبة / من الفكر والقلب / الموت والتوبة / قصة أيها الملك في القصر عيبان قصة الإنسان

قصة أيها الملك في القصر عيبان قصة الإنسان

المـــــوت والتــــوبة

الموت حقيقة لا يختلف فيها اثنان، لا مسلم مع كافر، ولا طائع مع عاصٍ، ولا ذكر مع أنثى، ولا أسود مع أبيض، ومن رحمة الله بالعباد أن غطى الموت بالأمل، إذ لولا الأمل لبطل العمل، والأمل يشبه إلى حد بعيد جفن العين .

 فهذا الجفن على رقته، وخفة وزنه، وصغر حجمه، يغطي عن العين الجبال الراسيات، والعمارات الشاهقات، والأرض والسماوات، فإذا أغلق الجفن على العين لم تعد ترى شيئاً، والأمل مثل ذلك يغطي هذه الحقيقة (الموت) تغطية كاملة، فلا يتذكر الإنسان الموت إلا نادراً.

ومن لطف الله بعباده أيضاً أن بعث لهم في كل يوم دلالة، وفي كل أسبوع علامة، وفي كل شهر آية، وفي كل سنة راية، تدلهم على أن العمر لا بد له من نهاية.

  يـــا من بدنيــاه اشتغل   وغره طول الأمــــــــــل

  المـــــــوت حتم لازم    والقبر صنــــــدوق العمل

ففي كل يوم يطلع الفجر، وتشرق الشمس، ويأتِ الضحى، ويسخن الهواء، وتكاد الشمس أن تحرق الخلائق، ثمّ وبعد سويعات: وإذا بالشمس تهوي، والنهار يأذن بالرحيل.

 ويأتِ الليل يتهادى، ثم يعم الظلام، ثم يشتد، حتى يظن من لا علم له أن الليل ليس له نهاية، وأن الشمس لن تعود بعدها إلى الإشراق من جديد، وما هي إلا سويعات، وإذا بالليل قد انقضى، والنهار قد انجلى، وسطعت شمس يوم جديد.

فإذا كان العمر يتألف من أيام معدودة، والأيام تنقضي يوماً بعد يوم، فهذا دليل واضح على أن العمر سينقضي بانقضاء أيامه، كجرة الماء المغطاة، تقطر الماء نقطة بعد نقطة، ولا ندري أي نقطة ستكون هي الأخيرة.

ويأتي بداية الأسبوع، ويذهب كلٌ إلى عمله، ثم ينتصف الأسبوع، وبعد أيام ينقضي، ثم يبدأ أسبوع آخر.

ويظهر القمر في بداية الشهر هلالاً، ثم يصبح بدراً في منتصف الشهر، ثم يعود كما كان هلالاً ثم يحتجب عن الظهور مؤذناً بانقضاء الشهر، ليظهر من جديد معلناً بداية شهر آخر.

       إذا تم شيء بدا نقصه    توقع زوالاً إذا قيل تم

ويأتي الشتاء ويتكاثر المطر، ويشتد البرد، ويحل فصل الشتاء بمطره وثلجه. وصقيعه، ويتلوى الناس من شدة البرد، حتى يتلهفوا على انقضائه، ثم يبتهج الناس بقدوم الربيع، وتورق الأشجار، وتزهر الثمار، فما يلبث أن ينقضي الربيع ويأتي الصيف بحرارته العالية، ويحصد الزرع، ويجف الضرع، وينقضي الصيف ويأتي الخريف، وتتساقط أوراق الشجر، وتبدأ درجات الحرارة بالانخفاض، وينقضي العام، ثم يأتي عام جديد، وهكذا.

يتمنى المرء في الصيف الشتا  :   فإذا جاء الشتـا أنكره

فهو لا يرضى ولا يرضى بذا  :   قتل الإنسان ما أكفره

بل قل ما أ ضعفه

والإنسان يولد رضيعاً، ثم ينمو ويكبر حتى يصبح طفلاً، فصبياً، فشاباً، وبعد فترة من وهج الشباب ونضارة القوة، وإذا بالشيب يغزو صدغيه، ثم ينزل إلى عارضيه، ثم ينتشر هنا وهناك، ثم يفقد القوة، ويستند إلى العصا في المسير، ثم يرحل عن هذه الحياة الدنيا،إلى الحياة الأبدية.

أيها الشباب: والله إنه ليس أمامنا سوى ثلاث طرق: فإما مرض مفند، وإما موت مجهز، وإما صحة وعافية، وحياة إلى أن نهرم؛ فلا نستطيع القيام إذا أردنا، أو القعود إذا أحببنا، ثم لابد من الموت.

نُح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح : لتموتن وإن عُمرت ما عمر نوح

فهذا سيدنا نوح عليه السلام عاش(950) سنة يدعو إلى الله، وأربعين سنة قبل النبوة، وخمسين بعد الطوفان، ثم لما جاءه ملك الموت قال له: كيف رأيت الدنيا؟ فقال: كبيت له بابان دخلت من الأول وخرجت من الثاني، فهذا العمر مهما طال فإنه محدود.

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته   يوماً على آلة حدباء محمول

ويحكى أن: ملكاً بنى قصراً مشيداً، جمع له أموالاً طائلة، وفي يوم الافتتاح جمع وجهاء الناس في حفل كبير، فيه ما لذ وطاب من أنواع الطعام والشراب، وخطب بالناس قائلاً: أيها الناس هل ترون عيباً في هذا القصر؟.

فقالوا: ومن هذا المجنون الذي سيقول هذا، وقد أشرف عليه أساتذة الفن والزخرفة، والمعمار والهندسة، فوقف أحد العلماء وقال: أيها الملك: إن في هذا القصر عيبان، لا عيب واحد، فصار الناس يلتفتون يمنة ويسرة وقد أصيبوا بالدوار، ولما هدءوا، قال الملك: وما هما؟ قال: الأول أنه فانٍ، والثاني: أن صاحبه فانٍ أيضاً.

فغضب الملك من كلامه وأمر بسجنه، ثم بشنقه على الملأ في اليوم التالي، وعندما حل الظلام وذهب الملك للنوم، رأى في منامه أنه في فلاة، وأسد كبير يطارده، فهرب أمامه، وإذا بكهف يخرج منه جذع شجرة تين، فدخل الكهف، وإذا به يجد أفعى كبيرة تستطيع أن تبتلع جملاً برأسه، فتسلق الجذع.

 ولما دقق النظر وإذا بفأرين أحدهما أبيض والآخر أسود يأكلان بالجذع، وبدأ يصعد إلى الأعلى فوجد قرصاً من العسل فبدأ يأكل منه ويتلذذ بطعمه، ونسي ما فوقه وما تحته، ولما ضعف الجذع هوى فسقط هو في فم الأفعى، فاستيقظ مرعوباً، ونادى على حاجبه وقال:إلي بالعالم؛ إلي بالعالِم، فجاء العالِم من السجن، فقال له الملك، لقد رأيت كذا وكذا فما تفسير ذلك؟ فقال العالم:

 أما أنت فابن آدم، وأما الأسد فهو ملك الموت، وأما جذع التين، فهو عمرك، وأما الفأر الأبيض فهو النهار، والأسود هو الليل، فقال الملك:

 والأفعى؟ قال: القبر، قال الملك: وقرص العسل؟ قال: قصرك الذي أفنيت به عمرك، وأفقرت بسببه شعبك ، فقال الملك:إشهد أنى تبت إلى الله تعالى على يديك .

فالقبر لا أهول ولا أفظع منه، ويروى عن مَوْلَى عُثْمَانَ t قَالَ:” كَانَ عُثْمَانُ t إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ”.(الترمذي/الزهد:2308.)

تالله لوعـاش الفتى في دهره

ألفاً من الأعوام مالك أمره

متلذذاً فيها بكل نفيســـــة

متنعماً فيها بنعـمى عصره

لا يعتريه السقم فيها مـرة لا

كلا ولا خـطر الهمـوم بباله

ما كان ذلك كلــه ليفــــي

بمبيــت أول ليلـة في قبـره

نعم، إن كل لذائذ الدنيا مهما كثرت وتنوعت، لا يمكن أن تساوي فظاعة أول ليلة يبيت فيها الإنسان في القبر، فلا بد أن نستعد لهذا اليوم الذي لا بد منه ولا حائل دونه.

عن qudah

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: