الرئيسية / المكتبة / اقتصاديات / الربا من اسباب الغلاء

الربا من اسباب الغلاء


الربا سبب من أسباب الغلاء

  وهذا ينتج من عدة عوامل:

  1. ارتفاع كلفة الإنتاج المالية:

فلو أن شخصاً ما أراد الاستثمار في السوق الأردني مثلا، خاصة في ظل تشجيع الاستثمار، ومحاولة جذب رؤوس الأموال، فقام بدراسة السوق المحلي، فوجده خالياً من مصنع تجفيف الحليب، مع أن المواد الخام متوفرة بكثرة، ووجد أن المشروع مربح تماماً،  وجدواه الاقتصادية جيدة، واستكمل جميع الأمور المتعلقة بتخطيط إنشاء المصنع، ولم يبقَ عليه سوى التمويل.

والتمويل هنا يمكن الحصول عليه بثلاثة طرق:

الأولى : أن يقوم بتمويل المشروع من أمواله الخاصة، إن كان قادراً على ذلك، وفي هذه الحالة ليس هناك مشكلة.

الثانية: أن يقوم بتأسيس شركة مساهمة ويجمع الأموال اللازمة بطريقة بيع الأسهم، وبذلك يمكن الحصول على التمويل اللازم، ولا مشكلة في هذا أيضاً.

الثالثة: أن يتقدم بالحصول على قرض من البنك بفائدة سنوية معينة، وهذا سيزيد بالطبع من تكاليف المشروع التأسيسية، وهي جزء من النفقات.

وعلى فرض أن شخصين قاما بتأسيس مصنعين متشابهين في بلد واحد، الأول من ماله الخاص، أو بطريقة المساهمة، والثاني بطريقة الاقتراض من البنوك الربوية، وكانت تكلفة كيلو الحليب المجفف دينارا واحدا، وهنا يأتي السؤال:

إذا كان بإمكان المصنع الأول (الحلال) أن يبيع كيلو الحليب المجفف بدينار + قرش واحد كربح، فهل يستطيع المصنع الربوي أن يفعل ذلك ؟؟؟ والجواب كلا ثم كلا، ولماذا ؟

والجواب :لأن مصنع الربا بحاجة إلى أن يدفع فائدة للبنك الربوي الذي مول المشروع، ولنفترض أنه عشرة قروش على كل كيس؛ فتصبح المعادلة كالتالي:

المشروع

سعر التكلفة

ربا

أقل ربح

اقل سعر للبيع بلا خسارة

حلال

100

لا يوجد

1

101

ربوي

100

10

1

111

إذا فالربا سبب من أسباب الغلاء، حتى ولو كان الربا قرشا واحدا، والذي سيدفع هذا القرش إما المواطن، وإما يفترض افتراضا أن يلغى مشروع الحرام لأنه لم يستطع المنافسة من ناحية السعر.

ولكن هل الغلاء سيتوقف عند هذا الحد ؟ اللهم لا.

فالمصنع لا يبيع للمستهلك مباشرة وإنما يبيع لأكابر التجار، ثم هؤلاء بدورهم يبيعون لتجار الجملة، ثم هؤلاء يوزعون على تجار المفرق، ثم يأتي المستهلكون للشراء من تاجر المفرق. وكل تاجر من هؤلاء يفترض أن يبيع بنسبة ربح معينة.

 فلو افترضنا أن التاجر الرئيسي يبيع بربح مقداره 10%،وتاجر الجلمة15% وتاجر المفرق20%فيكون الجدول كالتالي:

المشروع

للتجار الرئيسيون

لتاجر الجملة 10%

لتاجر المفرّق 15%

للمستهلك

20%

حلال

101

111.1

127.7

153.3

ربا

111

122.1

140.4

168.4

 فزيادة كيلو الحليب على المستهلك=168.4-153.3=15 أي 15 قرشا على كل كيلو حليب، فالربا البسيط يكون له أضعافا مضاعفة عند التعامل، ولا يزال لدينا المزيد.

 فإذا كان المستهلك يدفع عشر قروش من كل مائة للحليب ومثلها للسكر وكذلك للسمن وأخرى للرز لأنها كلها قامت على الربا فإن الموظف العادي الذي معاشه 100 دينار مثلا لا يستطيع أن يشتري إلا ما قيمته الحقيقية تسعون دينارا، وقل هذا في كل شيء.

 إذا فالربا سبب من أسباب الغلاء، هذا عدا عما لو كان التاجر الرئيسي يعمل أيضا بالربا، وكذلك تاجر الجملة، عدا عن تاجر المُفرق؟([1])

2-سرعة تهيئة المشروع للإنتاج، مما يقلل الجودة، ويرفع الأسعار.

إن المقترض من البنوك الربوية، سيضع نصب عينيه الأقساط الشهرية المستحقة، التي يطالبه بها البنك بغض النظر عن جاهزية المصنع للإنتاج، فيحاول جاهداً الانتهاء من المشروع بأسرع وقت ممكن، فيضطر أحياناً لقبول بعض المواد المخالفة للمواصفات والمقاييس، بسبب ارتفاع سعر المواد الأصلية، أو تأخر وصولها، ومعروف فنياً أن:( السرعة والإتقان لا يتفقان) وسيخضع صاحب المشروع الربوي للضغوط من جانبين:

 أولا:ضغط الأقساط الشهرية.

 ثانيا:ضغط تسديد نفقات المواد الأولية. فيقع بين نار السرعة، ونار الإتقان؛ إضافة إلى نار الآخرة التي تنتظره.

أما صاحب المشروع الآخر فيقوم بتجهيز مشروعه بإتقان وهدوء، ويختار المواد بعناية وتدقيق؛ فلا يقبل إلا العمّال المهرة، ولا يُدخل في صناعته إلا المواد العالية الجودة، والمطابقة للمواصفات والمقاييس المعتمدة، فلا يعرض نفسه للمساءلة القانونية من الجهات المسؤولة عن مراقبة الجودة، ولا يفقد ثقة المستهلكين في منتجاته.

 وهذا أدعى لأن يستمر في صناعته مدة أطول، ويطورها، ويتفرع عنها صناعات أخرى تفيد الصناعة الأولى وتستفيد منها، كما انه يستطيع أن يضع السعر المناسب لسلعته دونما ضغوط خارجية.

3. المنافسة العشوائية:

 في مجتمع سيطر عليه الربا في جميع جوانبه، تجد الحسد والبغضاء، والغلاء ينتشر ويتفشى في هذا المجتمع حتى يقضي عليه في النهاية، مخلفاً له ركوداً اقتصادياً عاماً، ثم ديوناً وأقساطاً متأخرة، وفوائد مركبة ومتراكمة، ثم محاكم وسجون، ثم إفلاس ثم في الآخرة عذاب عظيم.

فالمستأجر يعاني من ضغوط المالك المتكررة لرفع الأجرة والتهديد بالإخلاء، فينظر من حوله وإذا بالكل يتسابق في التطاول بالبنيان، فيأتيه الشيطان بصورة ناصح أمين، ومنقذ ومخلص له من معاناته، فيقول له:

أنت تملك قطعة أرض في منطقة كذا، فلماذا لا تقوم برهنها للبنك وأخذ قرض كبير، فتبني عمارة كبيرة من عشر شقق، فتسكن إحداها وتؤجر الباقي؟ ويزين له الأمر قائلاً:

 تستطيع أن تأخذ قرضاً من البنك بقيمة مائة ألف دينار بضمان الأرض، وهذا المبلغ يكفي لبناء العمارة ذات العشر شقق، فتؤجر الشقة الواحدة بمائة دينار شهرياً، وهذا يعني دخلاً مقداره(12.000) دينار سنوياً، في حين أن الفائدة المترتبة على القرض لا تزيد عن ستة آلاف دينار سنوياً؛ لأنهم يأخذون فائدة ميسرة على قروض الإسكان6%، وبذلك تكون قد ربحت ستة آلاف دينار شهرياً دون أن تبذل شيئاً.

 فتتنعم في هذه الحياة الدنيا، وتطلق البؤس والشقاء إلى الأبد، ودعك من أقوال الخطباء والوعاظ واتبعني، فأنا لك من الناصحين:)وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ(21الأعراف.

فيذهب هذا الشخص ليعمل بنصيحة الشيطان المبطنة بالغدر، والمحشوة بالسم، فيرهن أرضه، ويبدأ بالبناء، وليس هو الوحيد الذي استجاب لهذه النصيحة الخبيثة، فأمثاله كثر، ونتيجة لزيادة الطلب على مواد البناء تبدأ أسعارها بالارتفاع، ويبدأ يتساءل:

لماذا هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار؟ وما درى أن الشيطان الذي سوّل له، سوّل لألوف كثيرة مثله، وكلهم استجابوا له وعملوا مثله([2])

فتزداد التكلفة عليه وبدلاً من أن يبني عشر شقق اكتفى بثمانية، المهم أنه أصبح من المُلَّاك، ووضع لافتة كبيرة على العمارة تشعر بأن شققها جاهزة للسكن، وبإيجار شهري مقداره(90) دينار فقط.

قام أحد المستأجرين في العمارة المقابلة بأعلام صاحب البيت(القديم) بأنه سيرحل من الدار، ليسكن في الشقة المجاورة الجديدة، وطلب من صاحب الدار أن يسامحه على التأخير؛ ذلك لأن صاحب الدار كان قد طالبه عدة مرات بالرحيل.

صاحب المنزل أبدى تأسفه وانزعاجه على رحيله، وطلب إليه بكل إصرار وترحُّم وتودد أن يبقى عندهم قائلا: يا جارنا، لماذا تتركنا ؟ هل رأيت منا شيئا يؤذيك؟! وأقسم له أنه يحبه، وتدليلا على ذلك فإنه مستعد لأن يخفض الأجرة إلى”80″دينارا فقط.

وتعجب المستأجر لهذا التغيير المفاجئ بالأسلوب والتعامل واللهجة والمحبة، وما عرف أن البنايات صارت أكثر من المستأجرين.

هنا اضطر صاحب العمارة الجديدة إلى أن يكتب على عمارته”فرصة لا تعوض شقة ديلوكس للإيجار بـ70 دينارا فقط.

قام المستأجر بتذكر الأيام العصيبة التي كان صاحب العمارة القديمة يلاحقه فيها طالبا برفع الأجرة أو الرحيل، فأخبر صاحب الدار مرة أخرى بأنه عازم على الرحيل. ولكن صاحب الدار القديمة قال:

لا تنسى يا صاحبي ويا حبيب قلبي ويا رفيق عمري إن في الرحيل تعب وغلبة وتخريب للأثاث عدا ما فيه من فراقكم ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وأنا مستعد لتنزيل الأجرة إلى 60 دينارا فقط.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يستطيع أصحاب العمارات الجديدة أن يؤجروها بخمسين دينار للشقة الواحدة ؟ لا؛ لأن الفائدة المترتبة على القرض أكثر من هذا المبلغ، إضافة إلى القسط الشهري عن القرض الأصلي الذي سيبقى عليه إلى الأبد.

وقد يستغرب أحد القراء هذا الأمر، ويعدّه ضرباً من الخيال، ولكن هذا ما حصل فعلاً هنا في بلدنا الحبيب، فقد أنشئ عشرات الآلاف من العمارات في السبعينات بواسطة القروض الربوية، حتى أن أمانة عمان أعلنت عن وجود (36) ألف شقة فارغة في حدود الأمانة لا يسكنها أحد، ناهيك عن المدن والقرى الأخرى.

 .

(1)إن هذا مثال مبسط للعملية الإنتاجية وإلا فان الأمور على الواقع تسير بأضخم من ذلك، فعند إنتاج أول كمية من الحليب، ولنفرض أنها في الشهر الأول مائة طن من الحليب المجفف، وكانت تكلفة الطن الواحد ألف دينار، ونسبة الربح 15% فيكون سعر بيع الطن الواحد(115) دينار، فهل يستطيع صاحب المصنع الثاني أن يبيع طن الحليب بالسعر نفسه إنه إن فعل ذلك فسيغلق المصنع بعد ستة أشهر على الأكثر؛ لأن الأول سيقبض (115) ألف ويدورها في حساب المصنع، ويشتري مواد خام جديدة، وسينتج كمية أكبر تعادل هذا المبلغ أي حوالي(115) طن حليب مجفف، في حين أن الأول يحتاج إلى تسديد المبلغ المتحصل من سعر الحليب كاملاً وهو(115) ألف دينار إضافة إلى (135) ألف دينار أخرى لتسديد القسط الشهري للقرض الأول، وما يزيد عن ألفي دينار أخرى لتسديد القسط الشهري عن القرض الثاني، فمن أين سيأتي بالباقي؟ وبالتالي سيضطر إلى رفع سعر الحليب إلى(150) دينار للطن الواحد مبدئياً، ثم يضطر إلى الاقتراض مرة أخرى وهكذا، فإذا لم يكن له منافس، فإنه سيبيع الطن بـ(250) دينار حتى يستطيع أن يحقق ربحاً معقولاً ويستمر لفترة طويلة في السوق، وكل هذا سينعكس على المواطن الذي يستهلك هذه المادة، وعلى ذلك فقس باقي الصناعات، والمنتجات الأخرى. أضف أنه إذا لم يكن له منافس، وكان يطمع في أن يسدد رأس المال فكيف سيصبح سعر كيلو الحليب؟!

ولا تظنن أن هذا غير موجود، فإن الصناعات التي فوجئت بقيام صناعات منافسة لها، ولم تستطع ترتيب الأمور معها، فإنها قد خفضت أسعارها إلى ما يقارب النصف مما يدل على أن الجشع عند البعض ليس له حدود

ثم أ رأيت كيف اكتفى صاحب المال الحلال بنسبة 15% وحقق ربحاً معقولاً، ووفر السلعة بسعر مناسب أيضاً، في حين أن المرابي لم يكتف بأضعاف هذه النسبة، ولم يحقق ربحاً معقولاً له، وكان ربحه فاحشاً على المستهلك.

([2]) جاء ملك من ملوك الزمان وحاول أن يختبر صدق شعبه وإخلاصهم، فقال لهم: يا شعبي الكريم، إنكم أهل مواشي كثيرة، وغدا سيزورنا ضيف عزيز، فأرجو من شعبي الكريم أن يأتي كل واحد منهم بإبريق من الحليب ويضعه في هذا البئر، فإذا جاء الزائر أريناه بئر الحليب، فبذلك سيسر أيما سرور. ولابد أنه سيبدأ باستيراد الحليب من عندنا، فيعم الخير علينا جميعا، علما بأن إبريق حليب لن يؤثر عليكم كثيرا، وسيكون وضع الإبريق بعد المغرب أي بعد الحلب. قال أحد المواطنين “الأذكياء” لماذا لا أضع بدل الحليب ماء ! ولن يعرف أحد أنه ماء، كما أن الإبريق لن يؤثر في البئر، بينما أقوم بشرب الحليب مع أولادي، بدل أن أضعه في البئر. وفي الصباح كانت البئر كلها مملوءة تماما، ولكن من الماء بدل الحليب لأن الشعب كان كله من “الأذكياء”

عن qudah

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

4- التوسط في الإنفاق

4- ...