عام الطفــــــــل الدولي
عندما تحصل مشكلة عالمية ويطيب للموجودين في هيئة الأمم المتحدة أن ينبهوا إليها، فإنهم يجعلون لها عاماً خاصاً؛ لشد الانتباه إليها، ومحاولة معالجتها. ثم في العام القادم يجعلون لها أسبوعا، ثم يجعل لها يوماً واحدا في السنة، كيوم المرور العالمي، ويوم الأسرة، ويوم محو الأمية… الخ.
فالطفل في هذا العالم أصبح يعاني من أزمات كثيرة، ولذا فقد استحدث عام الطفل الدولي للفت الانتباه إلى حال الطفل في العالم !!!.
وهنا يأتي أحدنا ليتساءل: لماذا لم يكن هذا منذ زمن بعيد عندما كنت طفلاً ؟عندما كانوا يحلقون رؤوسنا على الصفر، ولا يعطوننا نقوداً كما يعطى طفل اليوم؟ فالطفل اليوم يأخذ في أول العام كتباً جديدة، وحقيبة جديدة، وثياباً أنيقة، وإذا غضب من أمه ذهب إلى جدته لتدلِّلَه، فلماذا يا ترى كان عام الطفل الدولي في هذه الأيام، ولم يكن منذ زمن قديم ؟
ويأتي الجواب لكي يقول: لا تنظر إلى الطفل في بلادنا، ولكن انظر إليه في بقاع الدنيا لترى العجب العجاب.
إن معظم الرجال اليوم في الغرب تكون وصيته الأولى لزوجته: لا نريد أطفالاً الآن، بل نريد أن نجمع من الدنيا ما نستطيع من: سيارات، وأثاث، وبناء، ولا نريد أطفالاً يعيقوننا عن جمع المال، أو يحرمونا لحظة لذة.
وبعد عدة سنوات وإذا بالمرأة تأتي لتعتذر لزوجها قائلة: يا زوجي العزيز إني آسفة، ولماذا الأسف؟ لأنها حامل، فقد نسيت أن تتناول حبوب منع الحمل في أحد الأيام…الخ. وعلى كل حال فان غضب الرجل أو رضي، فبعد تسعة أشهر لا بد أن يأتي المولود الجديد([1])
وفي هذه الحالة تحصل المرأة إجازة مقدارها: أربعون يوماً، وعندما تنتهي الإجازة، تخرج الأم من بيتها مثلاً الساعة السابعة، فتضع ابنها في الحضانة الساعة السابعة والنصف، وتصل إلى دوامها الساعة الثامنة، وتبقى في الدوام حتى الثانية بعد الظهر على الأقل، فتحمل ابنها([2]) وتصل إلى البيت في الساعة الثالثة؛ وهذا على افضل تقدير واحسن دوام ([3])، وهنا يدخل الزوج فيجد أن الطفل لا يكف عن البكاء، كما أن الزوجة لا تقدر على رد السلام من التعب، وهنا لا بد للزوج من أن يتصرف أحد أربعة تصرفات:-
1) فإما أن يقول لزوجته:هيا معي لكي نصلح من حال المنزل([4]) الذي فارقناه مهلهلاً في الصباح، ولنتساعد في عمل وجبة سريعة؛ ثم يكون العشاء فاخراً وثقيلاً ([5]).
2)وإما أن يدخل غرفته الخاصة ويفتح التلفاز، ويتناسى البيت، وما به من مشاكل حتى يأتي الله بالفرج أو أمر من عنده([6]).
3)وإما أن يخرج ليسهر مع رفيقة أخرى ويعود بعد أسبوع.
4) وإما أن يخرج ولا يعود إلى الأبد.
وهنا لا بد لي من ذكر قصة حدثت في أوروبا وهي: أن امرأة كانت على موعد مع زوجها لكي تذهب معه في رحلة، وذلك في عطلة نهاية السنة، ولكنها انتظرته طويلاً فلم يعد؛ فاتصلت بالشرطة فلم تجده واتصلت بالمستشفى فلم تجده، فتركت المنزل وأغلقت الباب خلفها تاركة طفليها داخل المنزل، وكان أحدهما عمره خمس سنوات، والثاني ثلاث سنوات، ولم تعد إلا بعد أسبوع، وطبعاً وجدت الطفلين قد توفيا، فاتصلت بالشرطة، وبعد الكشف على الطفلين وجدوا أنهما قد تُوفيا منذ ثلاثة أيام، فقامت الشرطة بجمع الجيران وسؤالهم: ألم تسمعوا صوت الطفلين فكانت الإجابة: نعم، فقالوا لهم:
ولماذا لم تخبرونا عنهم حتى ننقذ حياتهم وانتم تعلمون أن الأمر لا يكلفكم سوى مكالمة هاتفية مجانية؟ حتى نكون في خدمتكم.
والمدهش هو إجابتهم للشرطة – إذ قالوا: إن هذا الشيء لا يلزمنا به القانون([7])، ثم سألتهم الشرطة من جديد لو كان هناك جار لكم يزعجكم بصوت مذياعه في الليل ألا تطلبوا الشرطة؟
قالوا: نعم، قالت الشرطة: أولم يزعجكم بكاء الأطفال، قالوا:
نعم لقد أزعجونا ثلاثة أيام بلياليها، قالوا: فلماذا لم تتصلوا بنا حتى نزيل الإزعاج عنكم ؟ قالوا: إن هذا الشيء لا يجبرنا عليه القانون.
وأمام هذه الإجابات لم يكن أمام الشرطة التي أنهت واجبها سوى الاعتذار للجيران ([8]) وانصرفوا بعد ما وجدوا أن مزعاً من لحم الأطفال وشعورهم وأظافرهم على النوافذ وهم يحاولون التسلق طلباً للنجدة.
وهنا حبذا أن تعرفوا أن بلادنا فيها الخير الكثير، وأنها أفضل من بلاد الغرب بكثير([9]) فهم صعدوا إلى القمر ولكنهم في حياتهم الاجتماعية قد نزلوا إلى أسفل سافلين، ويكفي أن نذكر بان للبنت بعد العشرين الحق في أن تترك بيت أبيها، وليس له الحق في السيطرة عليها بنص القانون، كما انه يستطيع أن يطلب منها أجرة الغرفة التي تسكن فيها، ولقد أقيمت دعوى من بنت على أبيها المليونير لأنه رفض أن يدفع لها أقساط الجامعة التي تدرس فيها. وهنا تخرج البنت إلى الشارع فيتلقفها الصيادون والماكرون، فإذا بالمجتمع يمتلئ بالهوم لس Homeless -أي ممن لا يوجد لهم مأوى – وتتكلف الخزينة الأمريكية أموالاً طائلة للإنفاق على الأولاد اللقطاء.
بعد هذه الجولة نعود لنقول:
([1])يقال:إن امرأة بريطانية قد أغلقت أنابيب الحمل ولكنها حملت، وصدق رسول الله r إذ يقول: “ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة” البخاري (3907)
([2])فكيف يكون حال الطفل في ذلك الوقت؟ لعله في اليوم الأول: ملتهب الحلق؛ لأن رأسه قد نزل عن الوسادة، وفي اليوم الثاني: ملتهب البطن؛ لتلوث الرضاعة أو الحليب أو الماء، وفي اليوم الثالث: فتق في البطن من كثرة البكاء، وفي اليوم الرابع التهاب الفخذين لطول بقاء الحفاظ عليه، وفي اليوم الخامس: نائم ولكنه أعطي مهدئاً ليتدرج على حب المهدئات عند الكبر.
([3]) إذ إن الدوام أحياناً يكون إلى الرابعة، وبعض الأزواج يدخل أحدهم إلى المنزل بعد خروج زوجته بساعتين.
([4]) وهذا قليل من الرجال من يفعله ، ذاك رسول الله rالذي كان يخصف نعله ويرقع ثوبه و يكنس بيته(صحيح ابن حبان5676)، ولكن مع الفارق حيث انه حاشاه أن يخرج زوجته للعمل خارج بيتها أو يأخذ معاشها نهاية الشهر.
([5])وكون العشاء ثقيلاً فهذا مخالف للصحة؛ إذ يجب أن يكون العشاء خفيفاً لان بعده نوم طويل، بعكس الغداء الذي يكون قبله عمل وبعده عمل.
([6])في أوروبا التلفاز يستقبل عشرات المحطات، فهذه المحطة تغني، وهذه تنقل برامج رياضية، وهذه تبث أفلام مضحكة، وهذه تبث نشرة أخبار، وكثرة المحطات في تصوري ليست إلا من باب – إذا كثرت همومك فغنٍ لها – فمحطات التلفاز هناك تعمل ليل نهار؛ لان بعض العمال يعملون في الليل وينامون في النهار، لذا فالتلفاز كذلك يعمل ليل نهار كما أن”الريموت كنترول” يحتاجه العامل المتعب ليغير البرنامج وهو مستلق على ظهره …الخ.
([7] ) وهنا نجد فرقاً شاسعاً بين الدين والقانون ، فالقانون ليس فيه مادة تنص على الحياء، إذاً فلا بد من العودة إلى الدين الذي يوصي بالضعفاء، ومساعدة المحتاجين إلى غير ذلك من آداب الدين. من الرحمة والشفقة وتقوى الله تعالى .
([8]) في الغرب الحرية تأخذ مجراها إلى حد التهور، فبإمكان الجيران في هذه الحالة رفع دعوى على الشرطة لكونها استدعتهم دون إذن مسبق.
([9] ) أورد لذلك قصة وهي : انه كانت امرأة خرساء لا تسمع وكان ابنها مريضاً، وفي إحدى الليالي اشتد بكاء الطفل؛ فما كان من رجل عجوز إلا أن قام في الليل وأخذ معه زوجته العجوز أيضاً ومشيا طويلاً، وذهبا إلى ذلك البيت وأيقظا أم الطفل. وتكررت العملية ثلاث مرات، وفي اليوم التالي زاروها و أرشدوها إلى أن تضع بين خدها وبين طفلها عصى، فإذا تحرك الطفل استيقظت. وألفت النظر إلى أنه ذهب هو وزوجته؛ لكي لا يجلب الشبهة له أو لها أو لزوجته . (حدث هذا في بلدنا ). فأين هؤلاء من أولئك ؟ .
الشيخ زكريا القضاة الموقع الشخصي للشيخ زكريا القضاة
