قصة وعبرة:
كان هناك رجلان متجاوران أصيب طفليهما بالحمى، وانتابتهما أعراض مرضية واحدة، الأول نقل ابنه إلى مستشفى خاص، وأجرى له العديد من التحاليل الطبية، لاشتباه الأطباء بوجود مرض عضال لدى الطفل، وأخيراً تبين أن الطفل كان سليماً من أي مرض، ولكنه كلف والده مبلغاً كبيراً من المال.
الطفل الثاني: وضعه والده في حجره وقرأ عليه سورة الفاتحة بقلب متوجه إلى الله، ثم أعطاه كأساً من الليمون مع حبة أسبرين، وفي اليوم التالي خرج الطفلان معاً إلى الشارع يلعبان، في حين أن الأول كلف والده مبلغاً كبيراً من المال، أما الثاني فلم يكلف والده شيئاً.
ورجلان آخران أصيب كل منهما بحصوة في الكلى؛ أجريت للأول عملية جراحية كلفته خمسمائة دينار، والثاني لا يملك هذا المبلغ، فأشار عليه أحد العارفين بطب الأعشاب بأن يأخذ بيضتين ويغسلهما جيداً ويضعهما من غير كسر في كوب، ثم يملأ الكوب بعصير الليمون الطازج، ويضع الخليط في أسفل الثلاجة لمدة 24-36 ساعة، ثم يحرك الخليط جيداً بعد أن يكون قشر البيض قد ذاب في عصير الليمون ويشرب منه على الريق ثم ينتظر لمدة ساعتين ويتناول بعدها فطوره، وبعد ذلك يراقب خروج الحصاة مع البول، وبالفعل خرجت الحصاة بعد ست ساعات من تناوله الدواء، من غير جراحة ولا ألم، وبتكلفة مادية لا تكاد تذكر. .([1])
وهذا الكلام لا نسوقه لتشجيع الناس على عدم الذهاب إلى الطبيب، فديننا يأمرنا بذلك، ويحثنا على التداوي، إذ يقول r:” تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ ([2])، ولكن قد يعجز الإنسان عن ثمن العلاج أو أجرة الطبيب، فييسر الله تعالى له مثل هذه الوصفات اليسيرة، لأن الشفاء أولاً وأخيراً بيد الله تعالى.
وهناك وعدان أحدهما من الله، والثاني من الشيطان، إذ يقول تعالى:) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (سورة البقرة آية (268و269).
فالشيطان يعد الإنسان بالفقر، كيلا يتصدق، ويقول له: إن تصدقت نقص مالك، وأصبحت فقيراً، ثم يأمره بالفحشاء، فيزين له الفواحش حتى يقع بها، كالربا، والزنا، والكبر، والحسد، وترك الزكاة، وهو بذلك يأمر صاحبه بزيادة السيئات وإنقاص الحسنات، حتى يؤدي به في النهاية إلى نار جهنم، والعياذ بالله، بينما الله سبحانه وتعالى يعد بالمغفرة والفضل )وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا(، المغفرة للذنوب إذا رافقتها التوبة من العبد، والفضل والزيادة، في الأموال، والمباركة فيها إذا أُنفقت لوجه الله تعالى، )وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( واسع البركة، عليم بما في الصدور، وعليم بما ينفعنا ويضرنا، ولهذا فهو:
) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا(، ولكن من يدرك هذه الحقيقة غير ذوي العقول النيرة:) وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(،
ويقول تعالى في آية أخرى)وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ( سبأ آية (39).
ولا يعني هذا أن نجرب الله تعالى، فالله تعالى لا يُحارب، ولا يُجرّب، وفي الوقت نفسه لا يجوز لنا أن نتصدق بما لدينا من مال وعيالنا يموتون جوعاً، لا يجدون ما يأكلون، فالله تعالى يقول: )وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ( “والعفو: ما سهل وتيسر وفَضُلَ، ولم يشق على النفس إخراجه…والمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم، فتكونوا عالة”(.انظر: تفسير القرطبي لهذه الآية سورة البقرة آية (219).
قصة: ذهب شيخ جليل إلى بريطانيا لأجل العلاج من مرض عضال ألمّ به، وحضر إليه صهره من سويسرا ليطمئن على صحته، وذات يوم خرج الشيخ مع صهره إلى حديقة الحيوان، وفي الطريق قال الشاب للشيخ: لا أدري لماذا حرم الإسلام علينا أكل لحم الخنزير بالرغم مما يقال عنه بأنه كثير التوالد سمين اللحم؟
فسكت الشيخ ولم يرد على صهره ليتربص الفرصة المناسبة، للرد عليه،وعندما وصلوا إلى حديقة الحيوانات، وتجولوا بها شعروا برائحة كريهة، تزداد رويداً رويداً، فلما وصلوا إلى حظيرة الخنزير، فوجئوا بنظافة المكان، ولكن الرائحة شديدة النفاذ، وبعد قليل وإذا بالخنزير يتغوط ثم يستدير ويأكل مما تغوط، فصاح صهر الشيخ: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
قال تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ( سورة البقرة آية (172-173).
فالله سبحانه تعالى أحل لنا الطيبات ، وحرم علينا الخبائث، فلا ننظر لكثرة اللحم، أو جمال المنظر، ولكن المهم في الموضوع: الحل والحرمة قال تعالى:
) يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ(( سورة الأعراف آية (157).
[1] ) (راجع إن شئت كتابي :إسعافات أولية في الصيدلية النبوية)
([2]) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم(17987) والترمذي برقم(2038)وابوداود برقم(3855) وابن ماجه برقم(3436) جميعهم رووه في كتاب الطب من سننهم وإقرأ إن شئت كتابي الاسعافات الأولية في الصيدلية النبوية .
الشيخ زكريا القضاة الموقع الشخصي للشيخ زكريا القضاة
