القــرار المكيــن
يقول الله تعالى )ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ( (المؤمنون13)، والإعجاز القرآني هنا يتضح بأربعة أوجه :
الوجه الأول: أن الحيوان المنوي الملقح للبويضة يستقر في الرحم، والرحم يشبه صحن الماء؛ لكي يخفف الاهتزاز، وهذا الإناء يكبر بالتدريج، حتى إن حجم الرحم يكون عند الحمل بحجم البيضة ( 5 سم3 )، وفي آخر الحمل يكون بحجم البطيخة (5 –15 لتر)، وهذا الماء ينزل قبل الولادة ليسهل عملية الانزلاق…
الوجه الثاني: أن الرحم تحيط به الكبد والطحال والأمعاء والمعدة؛ كي تحميه أيضاً من الاهتزازات، ويحيط بالجميع من الخارج عظام الحوض والقفص الصدري والعمود الفقري؛ لكي تحميه من الصدمات.
الوجه الثالث: أن الجنين يتغذى بما يعرف ” بالحبل السري ” وطول هذا الحبل 50سم تقريباً،ولعل سائلاً يسأل ويقول: لماذا لم يكن طوله مترين؟!.
و الجواب: أنه لو كان طول الحبل السري مترين؛ لالتف حول عنق الطفل، ولاختنق الطفل في الغالب في بطن أمه أثناء تحركه يميناً وشمالاً. أو التف على يده فصارت قصيرة، أو التف على رجله فصارت شلاء.
ولعل آخر يقول: لماذا لم يكن الحبل إذاً قصيراً جداً؟ !
والجواب:أن المولود عندما يخرج من جهة رأسه، ويبدأ باستنشاق الهواء، فان الحبل السري يبدأ بسلخ المشيمة من أقصى الرحم؛ فلو كان أقصر من ذلك؛ لانسلخت المشيمة قبل أن يستنشق الهواء، وبذلك يموت الطفل قال تعالى ) وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً( الفرقان/2-
وفي خروج الطفل من جهة رأسه حكمة وأيما حكمة؛ فلو نزل من جهة رجليه لمات عند خروجه ذاك؛ لما قد عرفت من انقطاع الأوكسجين بانقطاع الحبل السري.
والوجه الرابع: من قوله تعالى: { فِي قَرَارٍ مَكِينٍ }: هو أن هرمون” الاميونسي ” هرمون الاستقرار، وظيفته أن يقول للطفل لا تخرج إذاً أراد الخروج –قبل الموعد المقرر-؛ لأنه لا يزال صغيراً.
والعجيب أن الأم قد تجوع، وقد تعطش، وقد يتساقط شعرها، وقد تصاب بفقر الدم أثناء الحمل؛ لكن المولود لا ينقصه شيء. فلقد وصلت نسبة الدم في إحدى النساء إلى درجة متدنية حوالي 22، ولكنها عندما وضعت، وفحصوا دم الطفل وجدوا النسبة هي 57 أي فوق المطلوب، ولكن هذه الزيادة لها ما يبررها وهي اختلاف دم الأب عن دم الأم، …وحتى أن ألام قد تطلب لنفسها شيئاً أثناء الحمل في حالة تسمى الوحام (الوحم)؛ لأن طفلها يكون بحاجة لذلك.
رحلـة العــودة
وتبدأ الاستعدادات لرحلة العودة والنزول إلى سطح الأرض قبل موعد الولادة، بثلاثة أشهر. وتجري لذلك الاستعدادات التالية: –
1- زيادة حمض خضاب الدم: وهي المادة التي إذا أضيف إليها ماء وملح، فإنها تصبح دماً عادياً: كمثل كأس سكر ومعلقة شاي إذاً أضيف إلى الماء الساخن، فإنها تصبح شاياً جاهزاً للشرب؛ وهذا للتعويض عن الدم الذي ستفقده أثناء الولادة.
2- زيادة مولد الليفين: وهي مادة تكون ذائبة في الدم؛ لكنها إذاً شمت رائحة الهواء، فإنها تتحول بسرعة إلى خثرة أو جلطة.
إلا ترى إلى شخص عندما( يترعف) وينزل الدم من انفه كيف يكون دمه أحمرا صافياً؟ ! ثم تزداد كثافته، ثم يصبح قِطعاً، ثم يقطع النزيف مطلقاً.
3- الاستعداد الثالث للولادة هو: زيادة الكريات البيضاء في الجسم:- وذلك لتلافي هجوم الجراثيم في حالة الضعف العامة التي تنتاب المرأة وطفلها؛ لوجود الجراثيم في المهبل.
4- الاحتفاظ بكمية من الماء والملح والمواد الأخرى للتعويض عما يفقد في المخاض.
أما رحلة العودة العجيبة فإنها تبدأ بهرمون مضاد للهرمون الأول، وهذا الهرمون يبدأ بالضغط على أعلى الرحم، ونفس هذا الهرمون يؤثر على أسفل الرحم ويوسع الممر.
ويبدأ الطفل بالنزول بعد أن يستدير رأسه إلى الأسفل، وبعد ساعات تعد بالسنين من عمر المرأة ينزل الطفل، وعندما يستنشق الهواء يبكي كناية عن تدشين المعمل الكبير الهام ” الرئة “، ويبدأ بأخذ الأوكسجين اللازم للقلب بل وللحياة:
ولدتك أمك يا ابن آدم باكـــــياً : والناس حولك يضحكون سروراً
فاحرص على يوم تكون إذاً بكوا: في يوم موتك ضـــاحكاً مسرورا
وسؤالي هنا هو هل يستطيع الإنسان أن يؤدي حق ألام …؟ اللهم لا وألف لا.
نعود إلى حالة ألام التي انتزعت منها المشيمة من أقصى الرحم؛ إذ أن هذا الانتزاع هو رحمة بحد ذاته، إذ لو بقيت المشيمة أو أي جزء منها داخل الرحم لكان في ذلك خطر و أيما خطر.
وهنا تلاحظ الدقة في الأمر: فلو كان الحبل السري غير متين أو غير متماسك بما بعده لكانت الكارثة، ولو كان تماسك المشيمة مع الرحم أقوى مما هو لازم لخرج الرحم مع المشيمة وهذا كارثة أيضا… ولكن الله سلم.
ومع هذا وذاك فان مشكلة خطيرة لا تزال قائمة هي أن المشيمة عندما تنخلع من الرحم، فإنه يحدث نزيف خطير في مكان لا يمكن علاجه بالطرق العادية !! فماذا يحدث؟؟ …
هنا ينكمش الرحم بصورة رائعة ليعود تقريبا إلى حجمه الطبيعي قبل الحمل، وعندها تشعر المرأة بكتلة لحمية مؤلمة في بطنها…
لا تخافي إنها بشارة السلامة فان الرحم قد انكمش كما قد قدر له الباري عز وجل، ومع ذلك فان النزيف يستمر أربعين يوماً على اغلب الأحوال.
صبر وكرم وحنان….
وهي من آيات الرحمن
عن أبي هريرةt قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه))([1]) إن الذي خلق الطفل قد أودع في قلب أمه الحنان فهي التي تجهز له الملابس قبل الولادة – وتحاول اختيار اسم مناسب له.
ولئن كان من المعلوم أن كل إنسان يصاب بجرح، فإن الناس يقومون بتقديم الهدايا والطعام له، إلا أن هذه ألام هي التي لا تلبث إلا يسيراً حتى تقدم لطفلها الحليب الطازج المناسب مصداق قوله تعالى ) مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ( (النحل /66).
ونجد أن هذا الطفل لا أسنان له. أنبعث به إلى طبيب أسنان ليأخذ له القياس أم ماذا.؟
أيها الإنسان إن من الحكمة أن لا يوجد للطفل في فمه أسنان، وذلك لأنه قاصر العقل، فلو كانت له أسنان لما فتئ يعض بها ثدي أمه، فتجرح حلمة الثدي مما يجعل الحليب يتلوث بالدماء، والدم مجلبة للجراثيم كما تعلمون. فسبحانك يا من تنزل الأرزاق بقدر!
) وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ( (الشورى /27)،
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
إن الأم عندما تقوم بإرضاع طفلها الوليد، فإن الله تعالى يكرمها بهرمون اسمه oxotocin يفرز من الدماغ يساعد على تقلص الرحم وإعادته إلى حجمه الطبيعي.
و تأتي معجزة من السنة النبوية: فمن السنة أن يحنك الطفل بالتمر؛ وذلك بمضغ تمرة جيدة مغسولة جيداً بفمٍ غير مصاب بأمراض، أو بدعك التمرة بعد النظافة بشاشة معقمة، أو يوضع مع التمرة ماءً حتى ينزل الماء المختلط بالتمر في حلق ذلك الطفل؛ لأن التمر يحتوي على جميع السكاكر والفيتامينات والأملاح اللازمة للغذاء والنمو والوقاية، وكذلك من السنة أن تآكل المرأة من التمر لان فيه فيتامين “ك” والذي يساعد على التخفيف من النزيف و كذلك فيه فيتامين ” أ” الذي يقلل من إفرازات الغدة الدرقية مما يؤدي إلى الاطمئنان الخ ([2])] وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً% فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً[ مريم /25).
ومن السنة أن يؤذن في أذن الطفل اليمنى، وان تقام الصلاة في أذنه اليسرى، وليس من السنة مثلاً أن يوضع أمام الطفل مصحفاً ليراه؛ لأن ذلك الطفل لا يرى إلا بعد الأسبوع الأول، لكنه يسمع منذ اللحظة الأولى، وهذه معجزة نبوية أخرى.
فإذا ما كَبُر هذا الإنسان رايته يشبه أباه أو أخاه أو عمه أو خاله أو أحد أجداده، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون.
أعجبُ من العجب
وقد سمعت أن حبة قمح قد كتب عليها آية الكرسي بأكملها، والحق أن أعجب منها أن شجرة التين خلقت على بذرة من بذور أمها، والأعجب منهما: أن كتب الإنسان على جزء من مائتي مليون جزء من دفقه من ماء مهين.
ويأتي الهدف الكبير والتعقيب الخطير الذي يحاول الإنسان أن يفر منه ) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ % يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ % فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ(، إنه لا بد من الوقوف أمام قيوم السماوات والأرض يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فلو جاء مندوب شركة كبرى وتحدث قائلاً:
نحن اخترعنا جهازاً عجيباً له مواصفات كثيرة، ثم لما سُئل فأين هو؟ فقال المندوب: تركناه حتى يأكله الصدأ، ثم لا حاجة لنا به، فهل تصدق ذلك…؟! اللهم لا.
إن في كل عين 120 ألف عصب بصري ملون، و180 ألف عصب بصري غير ملون، وفي الكلية أكثر من مليون كبكوبة تبول، وفي الجلد أكثر من مليون خلية تعرق، و في الرئة أكثر من مليون خلية تتنفس، وفي الكبد أكثر من مليون خلية، وفي الدماغ أكثر من 10 ملايين خلية تذكر. )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ % فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ((المؤمنون:116)
[1] ) صحيح مسلم ج: 4 ص: 2108
[2] من الأفضل وضع التمر في صحن ووضع الماء لغسله في إناء آخر بينما يكون هناك وعاء آخر للنوى . أما أكل التمر هكذا بدون النظر إلى صلاحيته للاستهلاك البشري فلا يصح . انظر إن شئت كتابي “إسعافات أولية في الصيدلية النبوية ” .
القرار المكين, الشيخ زكريا القضاة
الشيخ زكريا القضاة الموقع الشخصي للشيخ زكريا القضاة
