الرئيسية / المكتبة / من الفكر والقلب / الجولة 7 مع الملحد واستاذه الطبيعة فعيلة مفعولة

الجولة 7 مع الملحد واستاذه الطبيعة فعيلة مفعولة

الجولة السابعة:

جاء التلميذ ووقف إلى جانب الشيخ يصلي، وبعد انتهاء الصلاة صافحه المصلون وباركوا للمصلي الجديد بالإيمان والالتزام بالصلاة ، إذ أن هذا الشاب لم يكن ممن يجادل إشباعاً للترف الفكري-كما هو حال بعضهم- فقال الشيخ: أيها الأخوة: لا زلنا مقصرين.

فقال المصلي الجديد: وبماذا يا سيدي؟.

الشيخ: لأننا لم نذهب إلى الأستاذ الذي علمك الإلحاد، إذ أن كل إنسان في قلبه بذرة خير، إذا راعيناها نمت وكبرت وآتت ثمارها.

 ) أَلَمْ تَر كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ( (24)إبراهيم)0 فقام أربعة من الحاضرين ورافقوا الشيخ إلى بيت الأستاذ، واتفقوا على أن يتكلم واحد منهم ويستمع الآخرون كي لا تتحول الجلسة إلى مشاجرة، بدلاً من أن تكون جلسة تفاهم ومجادلة بالتي هي أحسن.

وعندما تداولوا الحديث ووصلوا إلى الاستنتاجات السابقة،

فقال الأستاذ: لا أظن أن هذه الأشياء قد حصلت إلا بفعل الطبيعة، وكل الأشياء حدثت بفعل الطبيعة لا غير.

الشيخ: لقد فاتني أن أسألك يا حضرة الأستاذ المحترم عن المادة التي تُدرّسها؟

الأستاذ: أُدرّس اللغة العربية، وهذا مجال اختصاصي.

الشيخ:ما رأيك بالعبارة التي تكتب في أول كل مدينة أو قرية، وهي ” مدينة كذا، أو بلدة كذا ترحب بكم” ؟

الأستاذ: كلمة طيبة ولا غبار عليها.

الشيخ: وما رأيك بالعبارة الأخرى التي تكتب في نهاية حدود البلدة” بلدة كذا تستودعكم السلامة” ؟.

الأستاذ: إنها عبارة بلهاء تندرت بها أمام تلاميذي.

الشيخ: ولماذا هي كذلك؟

الأستاذ: لأن السلامة شيء لا يستودع، وهي ليست فاعلاً، بل هي صفة وصولك.

الشيخ: أنا أوافقك على أنها عبارة بلهاء، ولكن يا أستاذ :كلمة الطبيعة أليست على وزن فعيلة ؟ بمعنى أنها مطبوعة ؟  وهي بذلك تحتاج إلى فاعل؟

الأستاذ: وقد بدا منبهراً لثقافة الشيخ:لا، لا يا فضيلة الشيخ

 هذه كلمة مترجمة، لكن معناها الأساسي أنها طبيعة فاعلة،حكيمة، عالمة، عاقلة مدبرة، منظمة، تتصف بكل معاني الإجلال والروعة.

الشيخ: هذا الكون مليء بالأشياء، ولكل شيء خصائص قد تتشابه في بعض الجزئيات مع شيء آخر، و تختلف عنه في باقي الأشياء، وقد يكون لبعض الأشياء خصائص ينفرد بها عن باقي الأشياء جميعها.

فالجماد: له حيـــِّــــز .

والنبات: له حيِّز ، وينمو ويتحرك.

والحيوان: له حيِّز ، وينمو ويتحرك بالإرادة.

والإنسان: له حيِّز ، وينمو ويتحرك بالإرادة، ويعقل.

فهل الطبيعة، يعني الجبال والسهول والتراب والأشجار هي التي أوجدتنا على هذا التركيب والنظام؟ أم أنها أمر خارج عن هذه الموجودات؟

الأستاذ، وقد بدا متحيراً أمام هذا الترتيب: لا لا، لا يمكن أن تكون الجبال التي نشقها، والمياه التي نحولها ونسوقها، والدواب التي نركبها، والأشجار التي نقطعها هي تلك التي نعني، وإنما الطبيعة أمر خارج عن هذا كله.

الشيخ: وما صفات هذه الطبيعة؟

الأستاذ: أولاً: إنها عالمة، والدليل على ذلك أن الرضيع يحتاج إلى الحليب فكان لأمّه ثدي، ولو لم تكن الطبيعة عالمة لما حصل ذلك.

ثانياً: إنها حكيمة، فبعد فترة من الرضاعة ينقطع الحليب، لأن الرضيع يصبح قادراً على الأكل بأسنانه، بينما أمّه تستعد للحمل التالي.

ثالثاً: الطبيعة رحيمة، لأنها علّمت الأم أن تعطف على وليدها.

رابعاً: الطبيعة مدبرة لأنها هي التي قدرت ذلك واختارته.

الشيخ قال وهو يهز رأسه إعجاباً: نعم لقد اتفقنا.

الأستاذ: وكيف اتفقنا؟

الشيخ: هذه الصفات التي تفضلت بها يا أستاذ، كل الناس من آدم وحتى يومنا هذا يؤمنون بها، ولكنهم اختلفوا في تسميتها، فبعضهم سماه   (GAD) ، وبعضهم سماه” خداي” ، وبعضهم سماه ” ياهو” ونحن نسميه” الله ” وأنت سميته اليوم: الطبيعة.

الأستاذ: لا لا، الله ذلك المعنى الكهنوتي الذي شعاره الإيمان بالخرافات، وسمته حرق العلماء بالنار؛ لأنهم قالوا: إن الأرض كروية، وكان يساعد الإقطاعيين والملوك في أوروبا على استعباد الشعوب، ونهب خيراتهم، حيث كان أولاد الكادحين والفلاحين يموتون جوعاً، بينما كلاب الإقطاعيين تعاف اللحم، فهل هذا عدل أيها الشيخ؟

الشيخ: لا، ولكن الله  لا يرضى هذا ولا يأمر به، وليس هذا من الدين في شيء، الله هو الرحمن الرحيم، وهو أرحم من العبد بنفسه.

الأستاذ: ما دام كذلك، فلماذا كان يحدث كل هذا وأكثر منه، حتى قالت الشيوعية عندما قامت: “اشنقوا الإقطاعي بأمعاء القسيس” لشدة الغيظ على رجال الدين الذين كانوا يستخدمون الدين والحرمان من الجنة، والطرد من الكنيسة، لإسكات الشعوب المقهورة أمام الطغيان، حتى قام القس مارتن لوثر ليفضح مزاعمهم، ويثور على الكنيسة، إذ عندما رأى الكهنة يبيعون الجنة، قال لهم: أنا أريد أن أشتري النار، وأخذ منهم صكاً بذلك، وعندما خرج نادى بالناس: ابشروا فإني قد ملكت النار جميعها، ولن أسمح لأحد بدخولها، ولن تعذبوا فيها.

الشيخ: وماذا عن الإسلام؟

الأستاذ: إنه كبقية الديانات، ولا أظن أنه يختلف عنها، فالديانات كلها واحد.

الشيخ: ولكن الإسلام ليس كبقية الديانات، وأول كلمة نزلت على محمد e هي كلمة:” اقرأ” ، فهل في غيره مثل ذلك؟ كما أن أول كلمة ينطق بها المسلم هي كلمة:”لا” في قوله لا إله إلا الله ، وهذا ينافي الخضوع والخنوع، والذل والقهر الذي تتحدث عنه، وبلال الذي كان عبداً يسعى لخدمة سيده ليل نهار، ولا يعرف غير ذلك، وعندما دخل الإسلام قلبه صار يقول: أحد أحد، رافضاً كل ذلك، وأصبح يقارعهم الحجة بالحجة.

الأستاذ: وشعار أطفئ سراج عقلك واتبعني: في أي سورة أيها الشيخ؟

الشيخ: ولا في أي سورة في القرآن، كما انه ليس في أي من أحاديث النبي e ، ولا يوجد في ديننا مثل هذا الكلام أبداً.

الأستاذ: هذا غير معقول.

الشيخ: لقد بدأت أغضب منك أيها الأستاذ.

الأستاذ: ولماذا أيها الشيخ؟

 الشيخ: لأنك تأتي بنصوص من ديانات أخرى، فتضعها في الإسلام، وتلصقها به ظلماً. كما أنك قليل الإطلاع على دين الإسلام الذي هو دين الحق والعلم، ودين العدل والرحمة، رغم أنك كنت من أبناءه.وكذلك لأنك تصدق العدو على عدوه فهل يصح هذا منك؟

الأستاذ: لا، لا أصدق العدو على عدوه، ولكن الشيوعيون كانوا يعلموننا بكل صدق وصراحة.

الشيخ: أنا أتحداك أن تأتي بالكلمة التي قلتها من أي من المصادر الإسلامية، وأمهلك عشرة أيام، مع أنك تستطيع إخراج أي آية من القرآن الكريم بأقل من دقيقتين بفضل وجود المعاجم التي تدلك على مواضع كل آية، ومعاجم الحديث أيضاً موجودة وتستطيع تخريج أي حديث خلال دقائق،بل تستطيع بواسطة الحاسوب أن تفعل ذلك خلال ثواني؛ إذ أن القرآن الكريم، وجميع كتب الحديث موجودة الآن على أقراص ليزر .

الأستاذ: القرآن والحديث في الحاسوب؟!أو ليس هذا محرماً عندكم، وبدعة؟ !

   الشيخ: لا، فالتلفون، والتلفزيون، والراديو، والحاسوب، والسيارة، والطائرة، جميعها وسائل؛ فإن استعملت للخير فهي خير، وإن استعملت للشر فهي شر.

الأستاذ: كيف تقول هذا، وتصدر مثل هذا الحكم، وكل هذه الأشياء لم تكن موجودة في الماضي، فهي بدعة وكل بدعة ضلالة كما تقولون.

الشيخ: الأمر ليس كذلك، فالماء موجود منذ القدم، ولكنك تستطيع أن تنقذ به حياة إنسان يكون بأمس الحاجة إليه فيكون خيراً، وتستطيع أيضاً أن تغرق به طفلاً فيكون شراً، فهل الماء وجد بعد قيام الشيوعية أم قبلها؟

الأستاذ: قبلها طبعاً، ولكن أنا أعرف أن الإسلام لا يعترف بكل شيء لم يكن موجوداً في عصر النبي.

الشيخ:r  ولكن الدين لا يتعارض مع العلم الثابت،الموجه نحو الخير، وهناك أحكاماً يصدرها العلماء عن طريق القياس، أو الاجتهاد.

وأما المقصود بالبدعة المحرمة التي نهى عنها الإسلام وحذر منها، هي البدعة في أمور الدين، لأن الدين كَمُلَ واستقر فيه كل شيء، فلا مجال لأن يأتينا أحد بأمور تعبدية جديدة، أو يأتينا بتعديل على بعضها، ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا(3المائدة،وسأبعث لك بكتاب نافع ومفيد من الكتب التي تزخر بها مكتباتنا الإسلامية الواسعة. ( اقرأ إن شئت كتابي خمس موبقات في علم الاقتصاد/فصل عدم أداء الزكاة هزت العالم مرتين في القرن العشرين: مرة بقيام الشيوعية ومرة بانهدامها)

عن qudah

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: