فما هو العلاج
. .. لنعد إلى سورة النساء آية24 ونقول لأعداء المرأة انه لا يوجد سورة اسمها سورة الرجال يقول الله تعالى ) وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً( صدق الله العظيم .
واللاتي تخافون نشوزهن. ..فالمرأة هي الناشز في هذا المقام وليس الرجل، أما في بعض الحالات فالرجل هو الذي يكون ناشزاً، فهل له أن يعظ المرأة أو أن يضربها؟.
اللهم لا، فمن الذي يعظه …. يا شباب العرب يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد.
يأتي الرجل إلى زوجته فيقول لها نريد أن نشتري أرضا؛ لنقيم عليها بيتاً فتفرح المرأة المسكينة لذلك. ..
هنا يخبرها الزوج أن المبلغ متوفر ولكن الباقي غير متوفر، وانه بحاجة إلى أسوارة زوجته الذهبية ليبيعها ويكمل الثمن، فتوافق الزوجة على الفور ولكنها تطلب منه أن يسجل باسمها شيئاً من حصص الأرض بدلاً لما دفعته من نقود. .
هنا تثور ثائرة الرجل، ويبدأ برفع صوته عليها بالشتم الذي ينالها وقد ينال والديها قائلاً: أليس من العيب أن أسجل باسمك شيء من الأرض وأنا رجل وأنت امرأة. ..
فقولوا لي بربكم: من هو الناشز في هذه الحالة؛ هل هي المرأة أم الرجل. ..؟؟!
فإذا كان من العيب -كما تدعي- أن تسجل اسم المرأة مع اسمك أليس من العار عليك أن تمد يدك إلى مال امرأتك،وإذا كان قرن اسمك مع اسمها عيب تثور له حفيظتك فلماذا سجلت اسمك مع اسمها في عقد الزواج إذا؟!
إذا فالإسلام يفترض أن الرجل هو العاقل وهو الأكبر،وهو الذي يتسع لاعوجاج المرأة لا العكس، فإذا كان النشوز من المرأة، فالرجل هنا هو الذي يبدأ بعلاج الموقف: إنه يعظها فيقول لها مثلاً: لماذا خرجت من البيت بدون إذني، أو أليس من الأحرى أن تنتظريني حتى أعود فاخرج معك؛ لأنني بحاجة أن أرى أمك لأنها حماتي، وأن أشاهد اخوتك لأنهم هم أيضا أصهاري. . وأنا مشتاق لهم …
وهذا العلاج يمكن استعماله عدة مرات. . فيمكن أن يقول لها في مرة ثانية …يا هذه لقد تزوجنا وهناك من يحسدني ويحسدك على هذا الزواج. ..فلا تدعي الناس يشمتون بنا. … الخ. علماً بأن الكلمة الطيبة لا بد لها أن تثمر،
وهذا العلاج غالباً ما يقضي على 90% من حالات النشوز هذه. ..
علاج آخر: فان لم ينفع هذا العلاج فهناك علاج آخر هو أن يهجرها في المضجع وذلك بان يدير ظهره لها في الفراش، وهذا هو علاج نفسي يأخذ مفعوله عند المرأة. .
فهو الذي دفع المهر ثم هو لا يزال ينفق، فإذا أدار ظهره لها، فهل قلبه بدأ يفكر بغيرها، وهنا تأخذ الغيرة تؤثر على النشوز حتى تمرغ رأسه بالتراب. .. وهذا علاج يقضي على 9 من عشرة من الحالات التي لم ينفعها العلاج الأول. ..
علاج ثالث:وهذا علاج خطير يستعمل بحذر شديد هو أقوى من الهجر، لكنه أخف من إدخال الآخرين في شؤون البيت، إلا انه الضرب. ..
ولكن هل معنى الضرب أن يتناول الرجل الكرسي فيضرب بها المرأة على رأسها وإذا بها في عالم البرزخ. ..؟! أم معناه أن يصبح الرجل جلاداً باسم الدين، أو أن تصبح المرأة دابة باسم الدين …؟ اللهم لا ثم لا …
أن الدابة في الإسلام لا يجوز لك أن تضربها ضرباً مبرحاً، أو أن تحمِّلها فوق ما تطيق. .[وحتى ان الزاني الذي يجلد لا يضرب ضرباً قاسياً للغاية، بل أن العلماء قد نصوا على: أن الجلد لا يكون برفع اليد إلى الأعلى ] فالضرب للمرأة يكون بعود السواك … وليس على الوجه …أو على الأماكن الحساسة. . إنه ضرب له أثره النفسي لا اثر جسدي جلدي يحتاج معه المضروب أن يحمل إلى المستشفى.
. ..أيها الأخوة أن الإسلام لا يسمح بان يبصق الرجل في وجه زوجته ولا غيرها وآلا أن يقبح. .. فهل انتبهت إلى خطورة ما يفعل البعض…..
أما الضرب بحد ذاته من وجهة نظر أخرى، فإنه علاج مر لكنه في بعض الأحيان كالدواء المر؛ لكنه المفيد….
روى لي أحد أساتذتي قصة حدثت معه. .. وهي أن جاره كان رجلاً مسكيناً لا يهش ولا ينش، وفي أحد الأيام جاءت جارته شاكية باكية وقالت: له يا شيخ أديب زوجي! زوجي! قال لها:
وماله هل شتمك؟ قالت: يا ريت (يا ليت) فقال: هل ضربك؟ قالت: يا ريت يا ريت، فتعجب هو وزوجته من ذلك، فقال: فماذا فعل؟ ؟
قالت: يا ليته يضرب يا ليته يصيح انه دائماً ساكت ساكت. .. أريد أن اعرف أن لي زوجاً يصيح ويغضب كما يفعل الرجال. .
نعم إن المرأة تريد من الرجل أن يزأر في عرينه كالأسد لتتيقن انه سيحميها إذا آن الأوان !
أيها الاخوة، لقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم ضرب النساء، وهنا عندما سمعت النساء بذلك أخذن يتجرأن على الرجال، حتى إنغاظ الرجال؛ وبما أنهم لم ولن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد لجئوا إلى المسجد وجلسوا فيه مخافة أن يقعوا في المخالفة. ..
وعندها نقص الدواء لبعض البيوت التي لا تنفع فيها الأدوية العادية، عندها سمح الرسول صلى الله عليه وسلم بالضرب غير المبرح…
روى ابن ماجه في كتاب النكاح/71985، انه جاء من يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم من النساء ممن يضربن أزواجهن فقال عليه السلام: (لقد طاف بآل محمد نساءٌ كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم ) ورواه أبو داود/كتاب النكاح/ح2146.
إنه من السهولة بمكان أن أضع مائة قانون ناجح دقيق، ولكنه من الصعوبة بمكان أن أضع قانوناً واحداً بين الزوج والزوجة في صلب تعاملهم الخاص؛ لذا كان لا بد من الأمر بالصبر والحلم وحسن الخلق، وبقية الأشياء العامة، التي تجعل تعامل الزوجين لطيفاً رقيقاً وفيه سكن،] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ (الروم:21).
وما الضرب الذي تحدثنا عنه إلا إشعار للمرأة بان الأمور بدأت تأخذ طابع الجدّ في التعامل، ذلك لأن بعض النساء يختلط عليها مزح الرجل مع الجد في تعامله معها، فكان الضرب الذي قلنا عنه في هذا المجال مفيداً [رغم قساوته ]……
أما الضرب بدون سبب، للتجبر فلا يجوز ) فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، إن الله كان علياً كبيراً ( وإذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك يا ابن آدم.
علاج رابع:فإذا لم تجد هذه الوسائل فلا بد من اللجوء إلى علاج جديد ولكنه من نوع آخر. ..)وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً( 35النساء.
فابعثوا حكماً ولم يقل رجلاً؛ لأن بعض الناس لو ذهب إلى أخيه يشكوا إليه حال زوجته وسوء عشرتها لقال له: ألم اقل لك لا تتزوجها؟ ! ألم اقل لك من زمن بعيد طلقها، ألم اقل لك إن أباها رجل خسيس … الخ.
وبعض النساء لو ذهبن إلي أهلهن لغضب وحلف بالطلاق إن لا يعيدها إلى زوجها. … الخ.
إذا فالمسألة تحتاج إلى “حكم” ذلك الحكم الذي يفكر بعقله لا برجله، فالمسألة بحاجة إلى حكمة وروية وبعد نظر، لا إلى تسرع وطيش وهوج، والحكمة هي وضع الشيء في محله.
وقد روي إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث حكمين لكي يصلح بين زوجين فحكما بالطلاق، وهنا قال عمر لهما: اجلسا فالله أصدق منكما، لو أردتما الإصلاح لما حكمتما بالطلاق فالله تعالى يقول ) إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما(.
أما قوله تعالى من أهله ومن أهلها، فلأن الأهل هم الحريصون في العادة على ستر الموضوع وعدم انتشاره، وهم الأعرف بالوضع ومداخلاته، وذلك كالطبيب الذي يريد إن يعرف السيرة المرضية حتى يستطيع إن يصف الدواء المناسب([1])
إلى متى :فإذا لم ينفع هذا الأسلوب فمن الممكن إن تجري تطليقه واحدة علماً بأن آيه الطلاق لم تأت في سورة النساء بل وردت في سورة أخرى.
فالسياق في سورة النساء كان يتحدث عن الإصلاح وطرقه، ولكن إذا لم تنفع كل وسائل الإصلاح، فان الطلقة الأولي تصبح لازمة للغاية، ولأن فيها إصلاح من نوع جديد، وهو تعرف كل زوجاً على النعمة التي هو فيها إذا ما قورن الأمر بغيره.
وهنا تذهب المرأة إلى بيت أبيها أو أخيها، وتستقبل بغاية التعاطف والاحترام والدعم؛ فيفرش لها فرشتان فوق بعضهما البعض، ولكن في اليوم الثاني فرشة واحدة، وفي اليوم الثالث فرشة ضعيفة – (جنابية )، وإذا بزوجة أخيها تضع أمامها – ولو بدون شعور – بعض الأغراض لتقوم بالجلي والتشطيف،
هنا تتذكر المرأة بيتها وأطفالها، وحريتها في بيتها واستقلالها فتندم وتتمنى العودة، وتقول في نفسها متى يأتي زوجي – العزيز- ليردني إلى بيتي. وتتذكر طفلها فتقول: متى أضمك يا ولدي إلى حضني، بينما الزوج يكون منهمكاً في طلب الإجازات المتلاحقة وإحضار الطعام والشراب لأولاده الصغار، وهموم البيت تأتيه من هنا وهناك، وإذا به يتذكر نعمة الزوجة على مساوئها فلا يلبث إن يبعث إلى زوجته من يردها إليه، وينتهي الإشكال. وليس الأمر احسن حالاً فيما لو خرج الرجل من البيت لينام هنا وهناك وترك المرأة وأولادها دون إن يعود إليهم، فان كلا الأمرين أحلاهما مر.
آخر الدواء الكي
فإذا كانت هذه المرحلة قد آتت أكلها فيها ونعمت؛ وإلا فان العلاج يبدأ من مراحله الأولي من جديد وهكذا حتى تقع الطلقة الثانية، ثم بعدها عودة فإذا أفادت فبها ونعمت وإلا فان آخر الدواء الكي.
وذلك لأننا نخاف على المرأة من الجنون، ونخاف على الزوج من إن يرتكب بحق زوجته جريمة لا تغتفر، فنكون كمن يهرب من الشتاء، لكي يقف تحت المزراب، أو كالمستجير من الرمضاء بالنار، ونخاف على الأولاد من أن يخرجوا معقدين نفسياً مشوشي الأفكار مهزوزي المعنوية خائري القوى الفكرية، خائفون، محطمون.
هكذا أقول في نهاية حديثي إن الإسلام لم يشجع على الطلاق، ولم يحببه للناس، بل ارشد إلى كل الوسائل لمنع وقوعه، حتى قبل الزواج، ولكن في النهاية لا بد مما ليس منه بد. ..وهكذا ينتهي حديثنا عن هذا الموضوع فهل من سؤال. ..
([1]) والحكمان ضروريان، وذلك لان ما بين الرجل والمرأة هو سوء تفاهم،وعلاج سوء التفاهم يكون بالتفاهم . واذكر أن طالبين كانا معنا في الجامعة قد استأجرا غرفة وبعد اقل من شهر نشب بينهما خلاف قوي : فقد كان علي يستيقظ قبل الفجر بينما كان مصطفى يحب النوم المتأخر جداً إلى ما فوق العادة.
ففي اليوم الأول قام علي وتوضأ وصلى الصبح وعمل فنجاني قهوة وأيقظ رفيقه فشرب مصطفى فنجان القهوة بسرعة وسرعان ما عاد إلى النوم، وهكذا في اليوم الثاني والثالث، وفي اليوم الرابع قال علي في نفسه : أنا أقوم كل يوم واعمل فنجان القهوة لليوم الرابع على التوالي، ومصطفى لا يقوم، والله أن نفسي تحدثني أن لا أعمل معه هذا المعروف أبداً..ولكنه قال: لا، سأستمر في عمل المعروف معه فجهز فنجان القهوة وتقدم وأيقظ مصطفى لليوم الرابع على التوالي .
ولم يكن مصطفى يحب أن يوقظه أحد من نومه؛ ولو خربت الدنيا بأسرها، فصاح به قائلاً : يا أخي أنت كل يوم تزعجني بهذه القهوة، إلا يكفي أنى قد صبرت عليك ثلاثة أيام متتالية، يا أخي ذوق على دمك حاجة إزعاجك للآخرين ….!!أ رأيت …!! انه سوء تفاهم كل واحد لا يفهم وجهة نظر الآخر، فلا بد من الحكَم الذي يعرِّف كل إنسان ماله وما عليه ..
الشيخ زكريا القضاة الموقع الشخصي للشيخ زكريا القضاة
