الطـــــــــــــلاق
أبغض الحلال إلى الله
لا يمكن لإنسان أن يجد في أمر واحد نقيضين يجتمعان كما يجتمعان في مسألة الطلاق؛ فإذا ما استعرضنا الطلاق لوجدناه يحمل النقيضين معاً .
فإذا ما نظرنا إلى ضرورته، وانه في بعض الأحوال لا بد منه نقول انه حلال، وإذا ما نظرنا إلى أضراره على الأسرة وترابطها لوجدنا انه بغيض إلى الله، ولا أجد تعبيراً أدق ولا أجمع ولا أوجز من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (( أبغض الحلال إلى الله الطلاق )) ([1]).
ولا أجد مشابهاً للطلاق إلا عملية قطع يد فيها مرض معدٍٍٍ عضال؛ فان قطعها الطبيب الحاذق رأى صعوبة تلك العملية وأثرها النفسي على المريض؛ وان تركها، فان المرض سيعدي الجسم كله حتى يأتي على الجسد والروح والنفس معاً..فماذا يفعل الطبيب؟.إنه في حيرة رغم أنه لا يريد أن يسيء إلى مريضه، انه لا يريد له إلا الخير كل الخير.
هكذا ينظر الإسلام إلى مشكلة عويصة معقدة ألا وهي عدم انسجام الزوجين في بيت الزوجية، والذي هو بحاجة إلى كل دفء وحنان؛ بعيداً عن الضوضاء والمشاكل والعقد النفسية؛ ذلك لأن البيت اسمه سكن والسكن مأخوذ من السكون والخلود إلى الراحة.
الراحة من تعب الحياة ومشاكلها وهمومها. ..من ضوضائها وضغوطها على النفس البشرية…الراحة لإكمال المشوار في يوم آخر وتعب جديد، أما الانتقال من تعب إلى تعب فهو الشقاء بعينه والإسلام لا يريد لنا الشقاء. .
فما هي نظرة الإسلام إلى الطلاق…؟.
أولاً: الإسلام لم يقف يوماً ليقول: من كان منكم مؤمناً حقاً فليطلق زوجته، لا بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)) ([2])، ووصية الرسول عليه السلام على فراش الموت كانت بثلاث: الصلاة، المرأة، ما ملكت أيمانكم.
وثانيا: الإسلام لم يبدأ بحل مشاكل الزوجين بعد وقوعها، بل إن الإسلام وضع الوقاية للمشاكل قبل وقوعها، بل تعدى الأمر إلى أن يضع قواعد حتى قبل الزواج، بل وقبل الخطبة صيانة لعش الزوجية من التصدع والدمار. وقديماً قال أحدهم:رحم الله أبي كان يجبر المكسورة، فقال آخر رحم الله أبي فانه كان يجبرها قبل أن تنكسر، نعم فلقد قال المثل أيضا ” درهم وقاية خير من قنطار علاج”.
الحب نوعان:
حب منطقي، وحب عاطفي،والإسلام أمر بهما
فالحب المنطقي: هو أن اسمع عن رجل مثلاً أنه كريم شجاع ذكي متواضع، فأحبه لهذه الصفات الحميدة، رغم أني قد لا أكون رأيته ولو مرة، فها هنا الحب مبني على مقدمات سليمة، فكان حباً منطقياً. ..
أما الحب العاطفي: فهو أن أري فتاة مثلاً فيعجبني شكلها فأقول:
لا بد أن تكون هذه الفتاة خلوقة. ولو سألني أحدهم وما الذي أعلمك أنها خلوقة أقول:
يا أخي لا بد من ذلك، لان وجهها يدل على ذلك، دون دليل ثم أقول:
لابد أن يكون والد هذه الفتاة متدين، ولو سألني أحد من الناس ومن الذي أخبرك بذلك فأقول:
يا أخي لابد من ذلك؛ لأن جمالها لا بد أن يكون وراءه صفات كمال كثيرة، ولكن بدون دليل. … فهذا هو الحب العاطفي
فهل ترى يا أخي: أن الإسلام أمر بالحب العاطفي أم بالحب المنطقي؟ ؟!
لا تعجب إذا قلت لك أن الإسلام أمر بالاثنين معاً، حتى يكون الترابط الأسرى أشبه ما يكون بالإسمنت المسلح بالحديد.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الحب المنطقي: ( تنكح المرأة لأربع لجمالها ولمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ))(البخاري5090)
فالجمال يذوب وينتهي ويتلاشى، وأما المال فإنني سمعت ورأيت أن رجلاً كان يسكن في بيت زوجته فإذا ما غضبت عليه طردته من البيت. وأما الحسب فما فائدته إن لم يكن معه إيمان يعصمه من الوقوع في الإثم أو التطاول على خلق الله؟ إذا فعليك بذات الدين تربت يداك إن لم تظفر بها.
ولا أقصد بذات الدين تلك الفتاة التي تلبس على رأسها، ولم تأل جهداً أن تضع أحمر الشفاه وتعلك اللبان في الطريق. .. ولا تنزعج من السلام على الرجال..لا أيها الإخوة: إننا نريدها ذات دين حقاً، لا مدهونة به دهاناً ومطلية به طلاء([3])..كما لا نريدها متزمتة تصوم يوم الاثنين نافلة مع أنها تعلم انه اليوم الذي يأتي فيه زوجها في منتصف الأسبوع.
يجب أن نفهم أيها الإخوة ما هو الدين؟ !
و أما عن الحب العاطفي فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (( أنظر إليها فانه أحرى أن يؤدم بينكما ))([4])- ذلك لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
فقد تلاقي شخصاً فتجلس معه ساعة من الزمن، فإذا بك تنسجم معه، وكأنك قد عشت معه السنين الطوال، وقد تلاقي رجلاً آخر فلا تنسجم معه مطلقاً وكأنه أساء إليك مراراً. ولئن كان البغض والحب العاطفيين لا يلزم كثيراً في تعامل الناس بعضهم مع بعض إلا انه لا يستغني عنه أي بيت على ظهر الأرض. ..
إذا فالأمر الثالث هو: أن الإسلام قد أوصى بالحب العاطفي، والحب المنطقي معاً.
وأنا اعتقد انه لو حصل هذا الحب المزدوج وكان مع استخارة ([5]) ،واستشاره، فإن بين كل ألف زواج لن يقع طلاقٌ واحدٌ.
ما هي المصيبة إذا؟
المصيبة أن يقدم الرجل على الزواج دون مراعاة لما قلنا أو بالأحرى دون مراعاة لما علمنا الله إياه … فيكون الزواج بسرعة فائقة دون تروي أو تفكير.
فهل يقف الإسلام مكتوف الأيدي في هذه الحالة؟ أو ليقف موقف المتشفي ليقول: انتم تركتم تعاليمي فاذهبوا إلى الجحيم؟!…
لا أن المسألة لا تتعلق بالرجل والمرأة فقط، ولكنها تتعلق في أسرة كاملة ونسب وصلات أرحام.
والعلاج هو الأمر الرابع في نظر الإسلام ويكون طويلاً وينتقل من الأخف إلى الأثقل حتى نهاية المطاف؛ علماً بأن آخر الدواء الكي وذلك حينما يكون لا بد مما ليس منه بد.
[1] ) أبو داود 2178 عن محارب بن دثار (ابن ماجة/2018).
[2] ) أبو داود،الأدب/4899، الترمذي المناقب/ 3895).
[3] اقرأ إن شئت كتابي خمس مقالات في مداخل الإيمان/فصل تقوى الله تعالى.
[4] ) النسائي/ النكاح/3235، الترمذي/النكاح/1087.
[5]) الاستخارة ضرورية للغاية فقد يكون الزوجان صالحين لكن لا يكتب لهما التوفيق فلا بد من الاستخارة (راجع إن شئت كتابي خمس حقائق إيمانية )
الشيخ زكريا القضاة الموقع الشخصي للشيخ زكريا القضاة
